عثمان بن جني ( ابن جني )

286

الخصائص

فإن قيل : ( وكيف ذلك ) أيضا ؟ هلا جاز صه فتسلم ، لأنه محمول على معناه ؛ ألا ترى أن قولك : صه في معنى : ليكن منك سكوت فتسلم . قيل : يفسد هذا من قبل أن صه لفظ قد انصرف إليه عن لفظ الفعل الذي هو اسكت ، وترك له ، ورفض من أجله . فلو ذهبت تعاوده وتتصوّره أو تتصوّر مصدره لكانت تلك معاودة له ورجوعا إليه بعد الإبعاد عنه ، والتحامى للّفظ به ، فكان ذلك يكون كادغام الملحق ، لما فيه من نقض الغرض . وليس كذلك أين بيتك ، لأن هذا ليس لفظا عدل إليه عن : " عرّفنى بيتك " على وجه التسمية له به ، ولأن هذا قائم في ظله الأوّل من كونه مبتدأ ( وخبرا ) ؛ وصه ومه قد تنوهى في إبعاده عن الفعل البتّة ؛ ألا تراه يكون مع الواحد والواحدة والاثنين والاثنتين وجماعة الرجال والنساء : صه على صورة واحدة ، ولا يظهر فيه ضمير ، على قيامه بنفسه وشبهه بذلك بالجملة المركّبة . فلمّا تناءى عن الفعل هذا التنائى ، وتنوسيت أغراضه فيه هذا التناسي ، لم يجز فيما بعد أن تراجع أحكامه ، وقد درست معارفه وأعلامه ؛ فاعرف ذلك . فأمّا دراك ونزال ونظار فلا أنكر النصب على الجواب بعده ، فأقول : دراك زيدا فتظفر به ، ونزال إلى الموت فتكسب الذكر الشريف به ، لأنه وإن لم يتصرّف فإنه من لفظ الفعل ؛ ألا تراك تقول : أأنت سائر فأتبعك ، فتقتضب من لفظ اسم الفاعل معنى المصدر وإن لم يكن فعلا كما قال الآخر : إذا نهى السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف " 1 " فاستنبط من السفيه معنى السّفه ، فكذلك ينتزع من لفظ دراك معنى المصدر وإن لم يكن فعلا . هذا حديث هذه الأسماء في باب النصب . فأما الجزم في جواباتها فجائز حسن ، وذلك قولك : صه تسلم ، ومه تسترح ،

--> ( 1 ) البيت من الوافر ، وهو لأبى قيس بن الأسلت الأنصاري في إعراب القرآن ص 902 ، والأشباه والنظائر 5 / 179 ، وأمالي المرتضى 1 / 203 ، والإنصاف 1 / 140 ، وخزانة الأدب 3 / 364 ، 4 / 226 ، 227 ، 228 ، والدرر 1 / 216 ، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقى ص 244 ، ومجالس ثعلب ص 75 ، والمحتسب 1 / 170 ، 2 / 370 ، وهمع الهوامع 1 / 65 .